مرة: 4:49 PM - 4/6/2013 | طباعة

السعودیة: مخاض عسیر

العربیه - الدکتورةمضاوی الرشید

خبرأونلاین- یواجه النظام السعودی اکبر أزمة عرفها فی تاریخه المعاصر، تفوق بدرجات تلک التی واجهها فی الماضی منذ تمرد الاخوان على سلطته الهشة عام 1927، مرورا بالانقلابات العسکریة فی الخمسینات والستینات وحقبة عبد الناصر، ثم صدام حسین وغزوه للکویت، ناهیک عن احتلال الحرم عام 1979. أزمة الیوم تختلف عن الازمات السابقة، اذ انها داخلیة بحتة فرضتها عوامل التغییر التی هبت على المنطقة العربیة قبل 'الربیع العربی' وخلاله وستتزاید بعده، وهی أزمة النظام المستبد عندما یواجه وعی المجتمع وحراکه السلمی.
لقد تبلور هذا الوعی وترکز على خطاب الحقوق الانسانیة والمدنیة والسیاسیة، على خلفیة صراع مسلح دار بین السلطة والتیارات الجهادیة خلال اکثر من عقد کامل. استطاع الوعی الجدید ان یجند اطیافا مختلفة، بما فیها الجهات التی کانت تستسیغ العنف ولو فکریا، من دون ان تنخرط به عملیا، بالاضافة الى تیارات انبثقت لتؤصل لخطاب ثالث بین الثورة المسلحة والتفجیر وقمع السلطة المستبدة واقصائها للمجتمع ومنعه من المشارکة السیاسیة، والحجر علیه امنیا وفکریا واقتصادیا وثقافیا. الوعی بالحقوق والمطالبة بها سلمیا هو الخطر الوجودی على نظام سعودی اعتاد ان  یمارس السلطة عن طریق تفعیل اربع رکائز للحکم التسلطی والتفرد بالسلطة السیاسیة،

اولا: القوة المباشرة کالقتل فی المواجهات بین اجهزة الامن والمواطنین (کما حصل فی المنطقة الشرقیة) او بالاعتقال التعسفی (کما حصل فی مناطق المملکة المختلفة). ثانیا: القوة الناعمة الاعلامیة او الاقتصادیة الاولى تضلل الفکر وتفرض سردیات النظام على کل قضیة وتمسح التفسیرات الاخرى من الذاکرة والوعی .

الثانیة: تعتمد على شراء الولاء  بالجزرة المقننة التی یدلو بها النظام لمن اختار الصمت ومجاراة عملیة الاستبداد وقد تحبس الجزرة عند أی خلل او شبهة فیفصل احدهم من  الوظیفة او تؤجل ترقیته الى اجل غیر مسمى، ان دارت حوله شبهة تعتمد على اللغط او الوشایة، هذا ان لم تستبعد شرائح کاملة من فرص العمل والبعثات الدراسیة او العلاج فی الداخل والخارج.

ثالثا: یعتمد الحکم الاستبدادی على الوهم والوعود تحت بریق ما یسمى بالمیزانیات الترلیونیة فیسیل لها اللعاب وتطیر بها الفرحة عل وعسى ان تصیب بعض شظایاها الطبقات الاکثر حاجة لها.
وینتزع النظام القبول بممارساته التعسفیة غیر الشفافة عن طریق خلق حالة توقع وتأهب دائمة لتلک المکرمة الملکیة، التی هی منذ البدایة حق من حقوق الانسان وحریته التی تعرف على انها حریة من العوز والفقر والجوع والخوف والمرض، ولیس کما یصورها البعض على انها حریة اقرب ما تکون للانحلال الاخلاقی، کما یحلو لمن ضاقت حدود فکره ان یزعم لینفرجمهوره من اسمى مصطلح تطلعت له البشریة جمعاء مهما کانت اعراقها ودیاناتها والسنتها، اهیک عن الحیوانات التی لا تطیق ان یحجر علیها فی قفص، من الاسد الى الطیر، فما بالک بالانسان؟

رابعا: یمارس النظام المستبد  عملیة استنزاف بطیئة ویحاصر المجتمع الى ان یصل حافة الهاویة، وتعتمد عملیة الاستنزاف على سیاسات تتخبط لتشتت فکر المجتمع ممثلا بسجن النظام السعودی، او بقتل احد الناشطین، ومن ثم یطلق سراح آخر وبعدها تتنوع لاطیاف المسجونة فکریا ومذهبیا ومناطقیا، وبذلک یخلق حالة شتات فکری وتخبط هدفه التردد فی مسیرة العمل الجماعی وقهر الروح البشریة حتى تصل هذه الروح الى مرحلة العبودیة الطوعیة، وتأتی بدون اکراه الى معبد المستبد لتنحر وتسلخ ومن ثم توزع قصصها على الرعیة والمشاهدین کمثال حی
على مبدأ لا اکراه فی معصیة ولی الامر. وبهذه الاسالیب  الاربعة تتکرس دعائم الاستبداد وتضمن استمراریتها. لکن من اسباب نجاح هذه الاسالیب هو اولا واخیرا انعدام الوعی، وهو ما کانت تعانی السعودیة منه منذ فترة لاسباب اجتماعیة وتاریخیة وحضاریة کرست حالة غیاب للوعی السیاسی، خاصة بعد ان ارتبطت الممارسات السیاسیة بخطاب دینی تلاعب بعواطف  المجتمع الدینیة مستغلا وجود اطهر الاماکن واقدسها على الساحة السعودیة.
فاجتمعت السیاسة والدین والجغرافیا لتکرس غیبوبة المجتمع عن قضایاه، وتفرز تیارات جنحت الى العنف لتحقیق مآربها، رغم ان العقود السابقة شهدت حراکا سیاسیا سلمیا کانت دوائره تدور فی نخب  مغلقة فشلت فی التعاطی مع شرائح المجتمع العریضة فتقوقعت على ذاتها بعد موجة اعتقالات واسعة لرموزها فی الستینات والسبعینات وحالات النفی والتهجیر التی تعرضت لها نخبة صغیرة من الناشطین ظلت افکارهم محصورة فی دوائر ضیقة غیر قادرة على ان تصل الى المجتمع العریض.
التغییر الذی حصل خلال السنوات الماضیة هو تفکک کل التیارات السیاسیة الفکریة الاسلامیة وغیرها، خاصة العریضة بعد ضربات موجعة وجهتها لها القیادة السیاسیة مما حجمها فنجحت بعزل قیاداتها عن الساحة الشعبیة، خاصة بعد ان خلط الخطاب الرسمی بین الاسلام والاسلامی من جهة والارهاب من جهة اخرى، وشهدت التسعینات حملة الاعتقالات الواسعة التی غیبت رموز هذه التیارات، والتی بعد ان خرجت من السجن اتجهت الى إما مهادنة النظام او العمل تحت امرته او الابتعاد عن التصادم معه. وبقی الحال هکذا الى ان برز نوع من الوعی المختلف، وهو الوعی الحقوقی غیر الملتزم  بایدیولوجیة سوى ایدیولوجیة الحقوق والعمل القانونی، رغم محاولة هذا التیار تأصیل خطاب الحقوق فی ثقافة اسلامیة قدیمة، وقد استطاع التیار الحقوقی ان ینجز الکثیر خلال فترة قصیرة لا تتجاوز الاربعة اعوام، من اهم انجازاته ترسیخ مفهوم الخیار الثالث بین استبداد النظام من جهة واستبداد العنف، خاصة ذلک المرتبط بمصطلحات قدیمة کالخروج على ولی الامر وهو ما عهدت السلطة السعودیة ان تطلقه على کل من خالف رأی ولاة الامر.

وثانیا: نشر هذا الوعی من خلال کتیبات ومحاضرات وشبکات التواصل الالکترونیة، لتصل الى اکثر من جهة وتفرض نفسها اعلامیا على الساحة  السعودیة، وثالثا المضی بمشروع الحراک على الارض من خلال تنظیم ومناصرة الاعتصامات السلمیة، خاصة فی قضیة المساجین السیاسیین الذین تتهمهم اجهزة الدولة بالارهاب وخلال المرحلة الاخیرة زجت اجهزة النظام بنساء المساجین فی السجن لمدة 5 ایام لمجرد خروجهن فی اعتصام صغیر یطالب بمحاکمة اقاربهن او اطلاق سراحهم.
استطاع تیار الحقوق هذا الذی بدأ یستقطب طیفا مختلفا ومتباینا من المشجعین والتابعین والمؤیدین لیسوا بالضرورة مرتبطین بایدیولوجیة مسبقة ان یخترق حالة الرکود التی وصل الیها الحراک السیاسی فی السعودیة بعد سلسلة من البیانات والعرائض المقدمة لولاة الامر منذ عام 2003 وکان آخرها عرائض خلال بدایة 'الربیع العربی' عام 2011، حیث طالبت شرائح کبیرة بسلسلة مطالب سیاسیة واقتصادیة لم تلب منها القیادة ای بند حتى هذه اللحظة. ونتوقع ان ینمو هذا التیار ویکبر فی المستقبل، ان هو استطاع ان یصمد امام السلطة التی بالضرورة تملک وسائل متعددة لمجابهته کالتی  ذکرت فی مطلع هذا المقال. والاخطر من اسالیب القمع المباشرة او الناعمة على هذا التیار الناشئ ان یقع فریسة الاجنحة المتصارعة داخل الاسرة الحاکمة، التی قد تستعمله ضد من ینافسها ویملک القوة العسکریة الفعلیة على الارض، فالخطر الحقیقی على ای تیار ناشئ فی بلد کالسعودیة حدیث العهد بالعمل السیاسی المکشوف لیس القمع والاعتقال، لان هذا من المتوقع فی ظل نظام مستبد، ولکن الاستقطاب من قبل أجنحة حکم قویة ومتمکنة أمنیا واقتصادیا تستغل حالة الاستبداد والحجر على العمل السیاسی المشروع والمعلن لتکسب نقاطا ضد من ینافسها فی دوائر الحکم السعودیة  المغلقة، مما یخلق حالة تشکیک فی ذهن بعض المراقبین تغذیها آلة السلطة الاعلامیة لتسحب البساط من تحت المحاربین القدامى فی هذا التیار او المنشدین لخطابه الحقوقی الجدید من الجیل الشاب، الذی یطمح للعمل السیاسی تحت مظلة جدیدة حضاریة تجعله یلتحق بمسیرة الشباب العربی وغیره من الجیل الجدید فی کل مکان.
ان کان النظام السعودی لا یعلم بالمخاضات العسیرة التی یمر بها المجتمع فهذه مصیبة، وان کان یعلم ویتجاهل التطورات السیاسیة والاجتماعیة الحاصلة على الساحة فهذه مصیبة أعظم. فالاخطار التی یروجها النظام اعلامیا ویعتقد انها تهدد امنه وامن المجتمع لا تأتی من ایران او اخوان مصر او غیرهم، بما فی ذلک 'القاعدة'، بل تأتی الیوم بحلة جدیدة لن یستطیع بقوته المباشرة والناعمة من عصی الى جزر الى تضلیل وقهر للروح ان یحصرها ویحد من خطرها. وان کانت السعودیة قد مرت فی السابق بمخاضات عسیرة الا ان الازمة الوجدانیة التی یعیشها النظام تنبثق من تخلف  اسالیبه القمعیة القدیمة التی تواجه وعیا جدیدا لن یتراجع بل سیزداد یوما بعد یوم. المجتمع قد بدأ یسیر الى الامام والنظام مصمم على المسیر الى الخلف فی مسیرته هذه قد فشل فی احتضان او التجاوب مع مولود الوعی الجدید.

 

 کاتبة واکادیمیة من الجزیرة العربیة

الكلمات الرئيسية: السعودیة -
تعليق
إرساله إلى الآخرين
الاسم (الاختياري)
البريد الإلكتروني(الاختياري)
عرض
الموقع أو المدونة (الاختياري)
تعليق     0/700
أنا موافقة على النشر ، لتكون أبلغ
أرسل تعليق جديد على هذه الأخبار، إلى بريدي الإلكتروني
يرجى إدخال عبارة في المربع
= 3 + 5
تعليق
184756
اسمك
البريد الإلكتروني
البريد الإلكتروني المستلم
وصف
ى إدخال عبارة في المربع
= 3 + 5
إرسال