مرة: 2:13 PM - 1/12/2015 | طباعة

عواصم القرار زحمة حراک تحت النار!

العربیه - محمد صادق الحسینی

یطل العام المیلادی الجدید على رزمة کبیرة من المتغیرات المتوقعة على اکثر من صعید وفی اکثر من ساحة فی عالمنا العربی والاسلامی، ما یدفع بالبعض للاعتقاد بان ثمة تحولات استراتیجیة فی المشهد الدولی تتدافع رویدا رویدا لتأخذ بلادنا الى مشهد متفاوت عما اعتدنا علیه وجدید نسبیا ستکون أحد تداعیاته کما السبب وراء حصوله اکراها هو الضعف والوهن المتزاید للاحادیة الامریکیة فی الهیمنة على العالم.

لعل ما أسست له المصالحة السعودیة القطریة اولا ومن ثم المصالحة القطریة المصریة ثانیا، وکلاهما یرصد على انه على انقاض « الربیع العربی» یمکن وضعهما فی مقدمة لائحة المتغیرات تلک.
فالکیان السعودی الذی یأفل نجمه وتتساقط قدراته الاقلیمیة ساحة بعد ساحة وهو یرى العالم من حوله یسیر على غیر رغباته التقلیدیة، منذ ان خسر الرهان على تغییر المشهد الثلاثی الدمشقی الشهیر الممتد من طهران الى الضاحیة قرر على ما یبدو واستجابة لرغبة دولیة علیا الدفع بهاتین المصالحتین.

اذ لا دواء للتخلص من السم الذی اضطرت المملکة السعودیة لتجرعه فی اکثر من ساحة عربیة والاستدارة نحو دمشق رویدا رویدا الا البوابة المصریة کما یقول عارفون بنسخ الدواء العربیة التقلیدیة….
خطوات کانت ربما لابد منها عندما تترافق مع ما بدا وکأنه انفتاح امریکی مستجد على القاهرة تمظهر باتصال هاتفی من الرئیس باراک اوباما مع الرئیس عبد الفتاح السیسی، مرفقا بالاعلان عن وصول السفیر الامریکی الجدید الى مصر بعد تعلل کسرته واشنطن من الباب العالی. مصر عبد الفتاح السیسی الذی لم یکن قد مضت ایام فقط على عودته من زیارة وصفت ب «الاستراتیجیة» الى الصین المنافس الرئیس للولایات المتحدة الامریکیة لیس فقط على الساحتین العربیة والافریقیة، بل وعلى المستوى العالمی .
کل ذلک یأتی فی ظل عملیة خلط للاوراق قل نظیرها فی اکثر من ساحة مشرقیة. تصعید مغربی لافت ضد عاصمة المعز.
متغیرات على حدود رفح فی حرکة دحلانیة مریبة فاقت التوقعات.
جهد حثیث ودؤوب من جانب حماس للعودة الى مربع طهران.
انفتاح ترکی غیر مسبوق على بغداد وتغیر مفاجئ فی الادبیات الاردوغانیة بخصوص الملف السوری.
حرکة «بوتینیة» متدحرجة باتجاه انقرة والقاهرة وتعزیز للتحالف مع طهران والضاحیة الجنوبیة فی بیروت .
ودائما وحسب المراقبین ازدیاد منسوب التفاؤل بامکانیة حصول اتفاق اطاری ما بین واشنطن وطهران حول النووی الایرانی.
ما یهمنا فی هذه القراءة السریعة هو الادراک الصینی – الروسی وهو المحور المقابل للمحور الامریکی البریطانی لاهمیة کل من القاهرة وطهران وانقرة من جهة کبوابات اساسیة لمقارعة الغرب فی الیابسة کما فی البحار لاسیما على الطاقة باسعارها وخارطة انابیبها وامن وصولها.

بالمقابل ادراک محور شانغهای هذا والذی یضم الیه کلا من الهند وایران ومجموعة مهمة من دول آسیا المرکزیة لاهمیة البوابة الدمشقیة فی المزید فی الامعان فی اذلال الهیمنة الاحادیة الامریکیة وهزیمتها فی المیدان وذلک فی اطار الحرب على الارهاب وفی المقدمة داعش واخواتها.
فی دراسة نشرها دونغ مانیوان نائب رئیس معهد الدراسات الدولیة الصینی التابع لوزارة الخارجیة تحت عنوان : صعود داعش … التأثیر والمستقبل، یؤکد بین بنود عدة على ما یلی :
- ان داعش تشکل تهدیدا للمجال الحیوی لروسیا والصین.

- ان واشنطن «تؤجل» تغییر النظام فی سوریا وتتقارب مع ایران اکثر فاکثر بسبب حاجتها لطهران فی محاربة داعش.
- ان واشنطن المضطرة للتعاون مع ایران وروسیا والحکومة السوریة للجم داعش ستکون مضطرة للتخلی عن عقلیة الحرب الباردة ….
ونتیجة لمثل هذا التقدیر فان بکین ترى بانها الفرصة التاریخیة السانحة لتطرح تحالفا استراتیجیا مع طهران وتالیا دمشق لمزید من اضعاف النفوذ الامریکی وذلک من اجل جعله یصل الیها منهکا فی المحیط الهادئ وان تتدارک للانقضاض على المغرب العربی انطلاقا من القاهرة لازاحة الامریکی المتهالک، من الخرطوم حتى کیب تاون. هنا یبدو مهما ما یراه المصری من فرصة تاریخیة لإدراک اهمیة موقعه فی اللعبة الدولیة، وهو ما یظهر منعکسا فی حرکة الرئیس المصری الدولیة وتوظیفه للمال السعودی الذی یبدو ان القاهرة لا تزال رهینة له ولا ترى بدیلا عنه فی الافق القومی المصری على ما یظهر من سلوک الرئیس عبد الفتاح السیسی.

بالمقابل وحده اللاعب الایرانی یبدو فی هذه الاثناء بانه اللاعب الرابح والاقوى والاکثر تمددا فی النفوذ رغم حصار العقود العجاف الثلاثة الماضیة وحرب النفط التی اشعلت ضده مؤخرا وضد حلیفه الدولی الروسی بقرار امریکی سعودی طبعا کما یقرأ اکثر المراقبین، ومع ذلک لم یؤثر ذلک قید انملة فی قراره الوطنی المستقل کما یتراءى للناظرین.مرونة عالیة جدا مع الاعداء والخصوم، ومروءة مع الاخ والصدیق، هکذا هو حال ربان السفینة الایرانی، تماما کما جاء وصفه على لسان شاعرهم التاریخی الکبیر حافظ الشیرازی …. وما بینهما دیبلوماسیة حیاکة سجاد، لن تجعله مضطرا لتوقیع «ای اتفاق کان» مع واشنطن حول النووی، بل على العکس من ذلک لا یزال یعلن انه لا یثق بها وانه سیهزمها فی کل ساحات الاشتباک.
لقد تمرس البعض على رهن قراره بمال الغیر وماله، فیما تمرس البعض الآخر برهن ماله لرفع سقف التوازن الدولی، واتقان لعبة الاشتباک کما التفاوض تحت سقف النار.
عالم جدید لن یحجز مقعد لائق فیه لاحد الا من اتقن فن الحراک فی الحرب کما فی السلام.

 القدس العربی

تعليق
إرساله إلى الآخرين
الاسم (الاختياري)
البريد الإلكتروني(الاختياري)
عرض
الموقع أو المدونة (الاختياري)
تعليق     0/700
أنا موافقة على النشر ، لتكون أبلغ
أرسل تعليق جديد على هذه الأخبار، إلى بريدي الإلكتروني
يرجى إدخال عبارة في المربع
= 7 + 14
تعليق
188082
اسمك
البريد الإلكتروني
البريد الإلكتروني المستلم
وصف
ى إدخال عبارة في المربع
= 7 + 14
إرسال
أحدث الأخبار
أكثر...