تاريخ النشر: ١٠ نوفمبر ٢٠١٤ - ١٢:١٧

ماجد حاتمی

هناک من اعتقد ان بالامکان ان یتحول یوم 24 تشرین الثانی / نوفمبر، الذی تنتهی فیه المهلة الثانیة للتوصل الى اتفاق نووی بین ایران و5+1 ، الى استثناء وسابقة فی تاریخ السیاسیة الامریکیة ، لعجز اللوبی الصهیونی والیمین المسیحی المتطرف ، عن إفساد هذا الموعد ، عبر ممارسة اسالیب الضغط والحرب النفسیة ، من خلال نشر "تقاریر استخباراتیة" ، و"تسریبات صحفیة" ، تؤکد على ان "ایران کانت تخدع الجمیع"!!.

یبدو ان هذا الاعتقاد لم یکن فی محله ، فهذا الموعد شأنه شأن کل المواعید المهمة الاخرى ، التی تکون فیها ایران طرفا ، سبقته کالعادة عملیات کشف عن " وثائق سریة " تؤکد کلها على ان ایران "تخدع المجتمع الدولی"!! و "انها تسعى للمساومة فی المفاوضات"!! ، الا ان الفرق الوحید هذه المرة هو ان هذه الاسرار جاءت متاخرة.

قبل ایام من الموعد المذکور ، وخاصة من یوم 9 تشرین الثانی / نوفمبر ، حیث من المقرر ان یعقد وزیر الخارجیة الإیرانی محمد جواد ظریف اجتماعا مع نظیره الأمریکی جون کری ومبعوثة الاتحاد الأوروبی کاثرین اشتون فی سلطنة عمان ، لمحاولة تضییق الفجوات الکبیرة قبل استئناف المفاوضات رسمیا فی فیینا فی 18 نوفمبر تشرین الثانی ، بدأ اللوبی الصهیونی والیمین المسیحی المتطرف کعادتهما ، حربا نفسیة للتاثیر على الاطراف المشارکة فی المفاوضات ، وعلى عملیة التفاوض ، وجعل اجواء المفاوضات اکثر تشنجا وتوترا بهدف افشالها.

قبل ایام فقط اعلنت صحیفة "وول ستریت جورنال" الامریکیة الیمینیة المحافظة ، نقلا عن مصادر وصفتها بالمطلعة أن الرئیس الأمریکی باراک أوباما بعث سرا رسالة إلى قائد الثورة الاسلامیة سماحة ایة الله السید علی الخامنئی فی منتصف أکتوبر/تشرین الأول . ونقلت الصحیفة عن المصادر ذاتها أن رسالة أوباما تطرقت الى "المصلحة المشترکة" فی محاربة "داعش" فی العراق وسوریا.

وأضافت الصحیفة أن أوباما شدد للسید الخامنئی ، على أن أی تعاون ضد "داعش " یتوقف إلى حد کبیر على التوصل إلى اتفاق شامل بین إیران والقوى العالمیة حول مستقبل البرنامج النووی لطهران.

وبعد یوم او یومین من خبر صحیفة "وول ستریت جورنال" وقبل یوم واحد فقط من اجتماع مسقط الثلاثی بین ظریف وکری واشتون ، جاء دور مؤسسة العلوم والأمن الدولیین الامریکیة ومقرها واشنطن ، لتفجر قنبلة دخانیة فی وجه المفاوضات النوویة ، مفادها ان ایران ربما انتهکت الاتفاق النووی المؤقت الذی أبرمته العام الماضی مع مجموعة 5+1 ، وذلک عن طریق تعزیز الجهود لتطویر جهاز یمکنها من تخصیب الیورانیوم بسرعة أکبر بکثیر!!.

وذکرت "الوثیقة السریة"  التی کشفت عنها المؤسسة أن إیران عملت على تغذیة جهاز واحد للطرد المرکزی یعرف باسم آی.آر-5 بغاز الیورانیوم الطبیعی "على نحو متقطع" فی منشأة أبحاث.

ومن حق القارىء ان یعرف ان المؤسسة التی کشفت عن هذا السر الخطیر ، سر تغذیة ایران لجهاز طرد مرکزی "واحد" بغاز الیورانیوم وعلى نحو "متقطع"!! ، یدیرها الصهیونی المعروف دیفید اولبرایت ، الذی یتولى مهمة تزوید أعضاء الکونغرس الأمریکی بکل ما یتعلق بالبرنامج النووی الایرانی !!.

قیل الکثیر عن اسباب قیام الاعلام الامریکی بالکشف عن رسالة اوباما للسید الخامنئی ، البعض اعتبر توقیت الکشف جاء لاحراج اوباما واظهاره بمظهر العاجز من قبل خصومه لاسیما الصحیفة التی اعلنت الخبر تابعة للجمهوریین والمحافظین ، والبعض الاخر اعتبر ان الهدف من الکشف عن الرسالة هو تحذیر اوباما من تقدم ای تنازلات لایران بسبب فشل سیاسته فی المنطقة لاسیما فی مواجهة "داعش" ، وهناک من راى العکس تماما ، حیث اعتبر ان الجهة التی کانت وراء تسریب خبر الرسالة هی ادارة اوباما ذاتها ، من اجل تشجیع ایران للدخول فی مفاوضات مباشرة مع امریکا تشمل کل القضایا التی یختلف علیها البلدان ، ویکون اوباما بذلک یسجل نقطة لصالحه بعد هزیمة حزبه فی الانتخابات التکمیلیة للکونغرس.

هذا ما یقوله الامریکیون عن انفسهم وعن حکومتهم ولاعلاقة لایران بکل ذلک ، الا ان ما یهم ایران بالدرجة الاولى ، هو ان تکف امریکا واسرائیل والدول الرجعیة العربیة عن سیاسة استخدام الارهاب کوسیلة لتمریر اجنداتهم فی المنطقة لاسیما فی سوریا والعراق ولبنان ، فمثل هذه السیاسة اثبتت فشلها من قبل فی افغانستان ومناطق اخرى من العالم. فمن السهل جدا تجنید وتسلیح ودعم الزمر التکفیریة الارهابیة ونقلها الى المناطق التی یُراد تأزیمها وضربها ، الا ان هذه الزمر لن تبقى دائما طوع بنان من اوجدها فهی کثیرا ما تعض  الید التی ربتها ، کما کان حال القاعدة مع امریکا وباکستان والسعودیة.

ترى ایران ان على امریکا ، لو کان صادقة فی محاربتها للارهاب ، ان تکف هی وان تدعو حلفاءها فی المنطقة الى ان یکفوا عن دعم الزمر الارهابیة ، وان یقطعوا عنها کل مصادر التمویل ، عندها ستنهار "داعش" و "النصرة" تحت ضربات الجیش السوری والجیش العراقی و الجیش اللبنانی ، دون الحاجة لکل هذا التحالف الدولی الذی یضم اکثر من خمسین بلدا.

ان ایران تتحرک وفق سیاسة مبدئیة ثابتة لا تتغیر ، قائمة على:

-رفض ای مساومة على حقوقها المشروعة ومن بینها حقها فی امتلاک برنامج نووی للاغراض السلمیة.

-رفض المساومة على حقوق شعوب المنطقة وفی مقدمتها الشعب الفلسطینی.

-رفض المساومة على محور المقاومة.

لذا فمن الخطأ ان یشطح البعض فی تحلیل الاعلان عن خبر رسالة اوباما الى القیادة الایرانیة ، وان یضع لنفسه مقدمات غیر موجودة وغیر یقینیة ومن ثم یستخرج منها نتائج لاتتفق ای منها مع حقیقة السیاسة الایرانیة ، فرسالة اوباما الى القیادة الایرانیة لیست الاولى ، لیثار حولها کل هذا الضجیج ، والربط بینها وبین البرنامج النووی الایرانی و "داعش" ، فهذه الرسالة هی الرابعة التی ارسلها اوباما الى ایران منذ عام 2009 ، وکما لم تغیر الرسائل الثلاث الاولى شیئا فی السیاسة المبدئیة لایران ، فان الرسالة الرابعة لن تؤثر ایضا على هذه السیاسة.

اما خبر الصهیونی دیفید اولبرایت ، فهو کباقی اخبار الرجل "السریة" عن ایران ، تزوده بها اسرائیل لیمررها هو بدوره الى الجمهوریین.  ان مثل هذه الاخبار "السریة والخطیرة" اصبحت تافهة کتفاهة تهدیدات نتنیاهو لایران ، فهی لا تثیر اهتمام الاخرین ، عدا المتصهینین ، فکم مرة اقتربت ایران من القنبلة النوویة وفقا لاکاذیب الصهاینة فی اسرائیل واللوبی الصهیونی فی امریکا ، فمنذ اکثر من عشر سنوات وایران تفصلها شهر او شهرین او اربعة اشهر او ستة اشهر عن انتاج قنبلة نوویة!!.

ان على الادارة الامریکیة ان تستثمر الجدیة والنیة الصادقة التی دخلت بها ایران المفاوضات ، والا تضیع الفرصة التی قد لا تتکرر ابدا ، وان تکف عن سیاسة "الکشف عن وثائق ورسائل سریة" وعن "تسریبات صحفیة" قبیل کل جولة مفاوضات نوویة ، فهذه السیاسة لم ولن تدفع ایران للتنازل عن حقوقها النوویة ، او للتخلی عن محور المقاومة ، فلا سبیل امام امریکا الا التحدث مع ایران بلغة محترمة لایشوبها ادنى تهدید.

المصدر: شفقنا