خبرأونلاین:رغم حرارة الصیف المرتفعة واعیاء آخر ایام رمضان وحالة صمت تسبق العاصفة الا أننا نرصد تحرک وجدان شریحة شبابیة فی جزیرة العرب ربما لا تعبر عما یدور فی مخیلتها الا فی مجالس مغلقة واتصالات سریة وبعض الایماءات النصیة هنا وهناک تتخفى تحت مظلة اسماء مستعارة وکتابات لا تنسب الا لمجهولین فضلوا فی ظل مرحلة القمع الحالیة ان یظلوا متوارین عن الانظار حتى تتبلور القضیة وتتضح الصورة.

مضاوی الرشید

رغم حرارة الصیف المرتفعة واعیاء آخر ایام رمضان وحالة صمت تسبق العاصفة الا أننا نرصد تحرک وجدان شریحة شبابیة فی جزیرة العرب ربما لا تعبر عما یدور فی مخیلتها الا فی مجالس مغلقة واتصالات سریة وبعض الایماءات النصیة هنا وهناک تتخفى تحت مظلة اسماء مستعارة وکتابات لا تنسب الا لمجهولین فضلوا فی ظل مرحلة القمع الحالیة ان یظلوا متوارین عن الانظار حتى تتبلور القضیة وتتضح الصورة.

من الواضح ان شباب الجزیرة تعاطى مع الربیع العربی بشکلیه السلمی کما حدث فی تونس ومصر والعنیف المسلح کما حصل حالیا فی لیبیا بطریقتین مختلفتین تماما. فی الحالة الاولى استبشر شبابنا بمظاهرات مصر وشدت انتباههم حشود میدان التحریر وشواطئ الاسکندریة واستمتعوا بشعارات تطالب برحیل النظام واخرى لم تخل من روح النکتة المصریة القاتلة التی اطاحت بنظام مبارک بالکلمة اولا والاعتصام السلمی ثانیا وراقبوا الدراما التاریخیة المصریة ونشطوا فی متابعتها على شاشات التلفاز وعلى نصوص الفیس بوک والتوتیر ولکن الکثیر منهم وجد فی هذا العمل المیدانی حالة طارئة غریبة عن بیئته وثقافته فلیس لشعب الجزیرة باع طویل فی المظاهرات والعصیان المدنی رغم مرحلة عابرة دخلت فیها هذه المظاهر الجدیدة الى قاموس العمل السیاسی وباستثناء المنطقة الشرقیة حیث تقبع المجموعات الشیعیة التی تمرست بمثل هذا الحراک فی مراحل تاریخیة سابقة کان اشهرها واقواها ما سمی بانتفاضة المنطقة الشرقیة فی اوائل الثمانینات الا ان التظاهر لا یزال عملا غیر مجرب ویعتبر صاحب جدوى محدودة لا تستسیغه الاکثریة الشبابیة ولا تؤمن بفعالیته لذلک کانت رد الفعل على الحالة المصریة والتونسیة تتسم بالاعجاب الذی یختلط بالتردد والتشکیک فی صلاحیة استنساخ هذا الحراک وتطبیقه فی جزیرة العرب. وان لم یخرج شباب الجزیرة مطالبا بحقوقه تحت مظلة انتخابات سلمیة فهذا لم ینطلق من کونه ملتزما بفتاوى مطاوعة النظام التی تحرم التظاهر او کونه جبانا لا یرید المواجهة مع اجهزة الامن کذلک مقولات لم یخرج الشباب لان رشاوى النظام استطاعت ان تنجح فی شراء ولائه ولو مرحلیا فی هذه اللحظة.

 وکان على مطاوعة النظام ان یوفروا عناءهم ونصوصهم الباهتة لکنهم من باب الحیطة والحذر وامتثالا لاوامر ولی أمرهم حظروا بیاناتهم مسبقا ونشروها على الملأ فلم تخرج مظاهرات جدیة لیس امتثالا وتطبیقا للفتاوى المحرمة ولکن لسبب ابعد بکثیر من مسألة التحریم والتحلیل ولم یبحثوا عن ساحة تحریر للتجمع والتجمهر والسبب الرئیسی خلف هذا التردد هو ثقافة سائدة متأصلة فی تراث تاریخی لا تزال ارهاصاته تدغدغ المشاعر وتحرک الوجدان ومن هنا اهمیة التجربة اللیبیة المسلحة والتی یراقبها شبابنا عن بعد ولکن بجدیة واضحة برزت فی تعلیقات وصلنا منها الکثیر وراقبناها عن کثب.

 لقد انشد شبابنا للثورة المسلحة والتی یعرفونها لیس من خلال موقع المتفرج المراقب البعید بل لا یزالون یعیشون تاریخها القابع فی مخیلتهم التاریخیة ورغم صغر سنهم وبعدهم عن هذا التاریخ الا انه لا یزال یدغدغ مشاعرهم من خلال قصص الاولین فهم عاشوا على تراث ثقافی مؤصل فی حکایاتهم وقصائدهم وسردیاتهم التاریخیة وکله یتمرکز على فکرة انتزاع الحقوق بالقوة والمواجهة المسلحة. من هنا اهمیة الوضع اللیبی بالنسبة لهم اذ انهم یتابعون دراما تاریخیة تختلف عن نظیرتها المصریة ـ التونسیة حیث ارتفعت اصوات الرصاص على الکلمات وحشد الاجساد فی المیادین العامة. فهم الیوم یعیشون تراث العنف وادبیاته التاریخیة فی مشهد یومی یراقبونه عن کثب ویسقطون علیه حالة جغرافیة وثقافیة مماثلة للحالة اللیبیة رغم بعض المفارقات البسیطة الهامشیة. فالارث القبلی الذی امتزج بالخطاب الدینی خلال العصور السابقة ولد مفهوما خاصا یتعلق بکیفیة انتزاع الحقوق وفرض الموقف بالسلاح ولیس بالاعتصامات السلمیة.

 ففی کل من السعودیة ولیبیا ظهرت فی الماضی حرکات دینیة مدعومة قبلیا لجأت الى المقاومة المسلحة ونذکر هنا السنوسیة اللیبیة والحرکة الوهابیة فرغم اختلاف المنطلقات الا ان الطبیعة الاجتماعیة والجغرافیة والثقافة المحلیة فی البلدین أفرزت ارثا تاریخیا متشابها الى حد کبیر.

ولیس من المستغرب ان المجتمعین اللیبی والسعودی قد افرزا تیارات جهادیة مسلحة فی العصر الحدیث حیث شارک هؤلاء فی قتال مسلح فی مناطق مختلفة من العالم الاسلامی وامتلأت السجون من باغرم مرورا بغوانتنامو والریاض وطرابلس بأعداد کبیرة نسبة لتعداد السکان فی البلدین. فما معنى هذه الظاهرة السوسیولوجیة والتی لا یمکن تفسیرها کانعکاس لتلبیة دعوات الجهاد او ظاهرة من مظاهر التدین المفرط ورغم ان التنظیر للعمل المسلح الجهادی قد صدر عن مرجعیات لیست غارقة فی البداوة او القبلیة الا ان وقودها وجنودها کانوا یأتون من مناطق لها ذاکرة تاریخیة حدیثة بهذه الانماط الاجتماعیة التی ارتبطت بثقافة تختلف تماما عن ثقافة المناطق العربیة ذات الماضی البعید فی الحیاة المدنیة المستقرة وارثها المدنی السلمی الى حد ما.

وفی هذه البیئات العربیة الغارقة فی قبلیتها نجد عیون شبابها وزنودهم تقبض على الحسم العسکری وتقف موقف المتفرج على منظورات حدیثة ودعوات طارئة على الثقافة والبیئة المحلیة. ورغم ان الثورة اللیبیة بدأت سلمیة الا انها تحولت بسرعة الى ثورة مسلحة لم یتردد فیها شباب لیبیا عن حمل السلاح بعد ان توفر لهم نتیجة انشقاقات فی الصفوف العسکریة والامنیة فانتقلت المواجهة فی اسابیع قلیلة من مظاهرات سلمیة فی شوارع بنغازی الى ثورة مسلحة تنتقل من مدینة صحراویة الى اخرى تحت رایات متعددة ومتنوعة قررت ان تجتمع فی هذه المرحلة رغم ان المستقبل قد یأتی بمفاجآت وافرازات ربما هی غیر متوقعة حالیا ولکنها ستظهر فی المستقبل وباشکال ربما لم تکن فی الحسبان.

 ویغذی هذا الانشداد کون المجتمعین فی لیبیا والسعودیة حرما من تجربة ومؤسسات المجتمع المدنی والثقافة السیاسیة الحدیثة التی تدخل انماطا جدیدة للعمل السیاسی کالاحزاب ومؤسسات المجتمع المدنی على خلاف المجتمع المصری والتونسی حیث تواجدت اقدم الحرکات السیاسیة والعمالیة والطلابیة والتی انبثقت تحت مظلة الاستعمار وارتبطت بحرکات التحرر من التبعیة وانخرطت المجتمعات فی صراع طویل مع هذا الاستعمار فی ثورات سابقة مما ادى الى تبلور وعی سیاسی وطنی فی القرن العشرین. ورغم ان لیبیا وتجربتها مع الاستعمار تختلف عن التجربة فی الجزیرة العربیة الا انها تخلصت منه بثورة مسلحة فی السابق وهی الیوم تمارس هذه التجربة التاریخیة بنفس الآلیات السابقة. اما فی السعودیة حیث ینعدم الخطاب التحرری نتیجة اختلاف طبیعة الهیمنة البریطانیة فی السابق عن نظیرتها الایطالیة اولا والبریطانیة ثانیا الا ان الخیار السعودی المسلح کان الوسیلة الوحیدة لفرض هیمنة استعماریة محلیة على باقی اجزاء الجزیرة العربیة بمبارکة بریطانیة.

وخلال اکثر من ثلاثین عاما دخلت الجزیرة فی مخاض مسلح عسیر انخرط فیه ابناء الجزیرة فی حروب طاحنة کانت تنتقل من منطقة الى اخرى تحت رایة حضریة ولکن وقودها کان من العمق القبلی للمنطقة. من هنا ارتبطت المشاریع السیاسیة منذ یومها الاول بالعمل المسلح تحت مسمى الجهاد فی سبیل تطهیر الجزیرة من شرکیاتها المزعومة وبعد استکمال المشروع بدأ التصدع یظهر مباشرة وعبر عن نفسه بثورات مضادة مسلحة هی الاخرى بعد ان اتضحت الصورة وتبلورت الطموحات الحقیقیة وراء مشروع التطهیر الدینی. فثارت قبیلة مطیر وعتیبة بعد ان تم اقصاء زعاماتها فی المشروع الجدید ومنذ ذلک الحین ظل العنف والمواجهة المسلحة صفة ملازمة للحراک السیاسی فی الجزیرة العربیة ادى الى صدامات لم یسلم الحرم المکی الشریف منها عام 1979 وامتدت حتى هذه اللحظة تحت منظومات جهادیة حدیثة. ورغم ظهور تیارات سیاسیة دینیة تؤصل لثقافة الحراک السلمی الا انها تظل غیر قادرة على استیعاب الارث الثقافی التاریخی الذی لم یعرف ولم یمارس بشکل جدی مثل هذا العمل الطارئ على بیئة المنطقة فی تاریخها القدیم والحدیث.

من هنا نراقب هذا الانشداد نحو النمط اللیبی والاهتمام بتفاصیله ومراقبته والتجاوب معه وکأنه شأن محلی وافتراضیة تناجی قلوب بعض الشباب وتهیج مشاعرهم ومخزونهم الثقافی القدیم. فهم الیوم یشاهدون دروسا حیة تحرک هذا المخزون المکبوت والذی انطلق فی الماضی خلال حقبات تاریخیة متتالیة وعبر عن نفسه بعنف واستماتة أرهبا الکثیر من المراقبین لشؤون الجزیرة العربیة وأدیا الى عنف مضاد یمارسه النظام یفوق بکثیر عنف المجتمع الذی حتى هذه اللحظة تمسک بخیار المواجهة المسلحة على حساب العمل السیاسی السلمی الحدیث.

فإن استغرب البعض تردد شباب الجزیرة فی الخروج والمشارکة بمظاهرات سلمیة فهذا لیس لانه شباب مرفه مدلل خامل کما یحلو لبوق النظام والناطقین باسمه فی المحافل الدولیة والعلمیة والاکادیمیة ان یصفوه خاصة عندما یفسرون صمته وعدم التفاعل مع قضایاه السیاسیة والحقوقیة الملحة او بطالته الحالیة او تفسیر صمته کنتیجة حتمیة لحالة جبن وتخاذل واتکالیة الا ان قراءتنا لمشهد شبابنا الیوم یجعلنا نقتنع انه مشدود للخیار المسلح والذی هو مؤجل لسبب بسیط هو خوفه من تدخل خارجی یحسم الموقف لصالح النظام وان کان النظام هو الاول فی استدعاء هذا التدخل الا ان شبابنا لن یکونوا یوما عاملا فعالا فی جلب مثل هذا التدخل الى قلب الجزیرة العربیة تماما کما یفعل النظام حالیا. وسیبقى الباب مفتوحا على الخیار المسلح المؤجل طالما ظل النظام ممانعا لدخول ثقافة سیاسیة سلمیة جدیدة تنتقل الجزیرة من تراثها القدیم الى العصر الحدیث.

من هذا المنطلق کانت ثورة لیبیا المسلحة لحظة وجدانیة فریدة.

' کاتبة واکادیمیة من الجزیرة العربیة

30449

رمز الخبر 172130