أكثر من 300 مليون شخص يحتفلون به..ما هو عيد النوروز؟

عيد النوروز ليس عبارة عن احتفال صغير فقط، بالنسبة لملايين الناس في العالم فيحتفل به أكثر من 300 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، وبدأ الاحتفال به منذ حوالي 3000 عام من البلقان إلي حوض البحر الأسود، ومن آسيا الوسطي إلي الشرق الأوسط وأماكن أخري.

وقالت الأمم المتحدة إن 'عيد النوروز يعزز قيم السلام والتضامن بين الأجيال وداخل الأسر'، موضحة أنه 'يساهم في التنوع الثقافي والصداقة بين الشعوب والمجتمعات المختلفة.

واعترفت منظمة الأمم المتحدة باليوم الدولي للنوروز بتاريخ 21 مارس/آذار في العام 2010، بناءً علي طلب دول عدة مثل أفغانستان، وألبانيا، والهند، وإيران، وكازاخستان، وتركيا، وتركمانستان.
وكلمة 'النوروز' تعني بالفارسية 'اليوم الجديد' وهو يجسد معني 'التجدد' في الحياة حيث يبدأ في أول أيام شهر 'فروردين' وهو أول شهور السنة الشمسية الإيرانية حسب الهجرة النبوية الشريفة، والذي يصادف بدؤها في الـ (21 آذار- مارس)، وقد اختير لكونه أول أيام الربيع، أي في نفس اليوم الذي تتم فيه الأرض دورتها السنوية حول الشمس لتبدأ دورة جديدة.
واعتاد الإيرانيون علي استقبال الربيع حيث يقومون بتنظيف الأزقة والحارات بصورة جماعية، وتترافق معها حركة علي نطاق اجتماعي واسع تسمي بـ'خريد شب عيد' (أي الشراء لليلة العيد). وتبدي المرأة الإيرانية حماسا أكثر من الرجل لإحياء هذا العرف المتوارث؛ حيث تشهد أسواق المدن الإيرانية حركة تبضُّع غير مسبوقة للنسوة اللواتي تصيبهن 'حمي الشراء' مع إطلالة عيد النوروز.
كما اعتاد الناس ومنذ ذلك العصر علي استقبال الربيع وسنتهم الجديدة بعدة طقوس تبدأ بحملة تجديد المنزل التي تسمي بالفارسية 'خانه تكاني'، وتقوم فيها الأسر بإعادة ترتيب وتأثيث محل السكن، والاستغناء عن الأشياء البالية، وغسل السجاد والستائر أو استبدالها، مع طلاء الجدران بألوان جديدة .
وقبيل بدء لحظات العام الفارسي الجديد يحرص كل افراد العائلة علي أن يكونوا متواجدين لاستقبال النوروز.
وتبادر الاسر الايرانية، بتوفير تحضيرات اولية للاحتفال برأس السنة الجديدة وابرزها مائدة السينات السبعة المكونة من سبع اشياء تبدأ بحرف السين. وهذه السينات يرمز كل منها الي الوفرة والمحاصيل الزراعية، وهي: (سيب) وتعني التفاح، و(سمنو) وهو نوع من الحلوي، و(سير) الثوم ويرمز إلي الصحة، و(سنجد) ما يسمي بـ 'تمر العجم' ، و(سكه) وتعني النقود، والسماق، وهي ترمز للحظ الجيد والسعادة والسيادة والسلامة والأيام البيضاء والفخر والسخاء حسب التقاليد والمعتقدات التراثية للإيرانيين القدامي.
ومنذ إعتناق ايران الدين الإسلامي الحنيف، عمد الإيرانيون الي وضع المصحف الشريف علي المائدة النوروزية، التي عادة ما تضاف اليها اشياء اخري مثل الشموع واناء من اللبن والخضار وماء الورد والبيض الملون والسمك و...
وعند حلول العام الجديد يقرأ افراد الاسرة هذا الدعاء للتبرك : يامقلب القلوب والابصار يامدبر الليل والنهار يا محول الحول والاحوال حول حالنا الي احسن الحال.
وتكثر في ايام اعياد النوروز التهانيء و الزيارات بقلوب منفتحة ونفوس طيبة .
ويعد يوم النوروز من العطلات الرئيسية في إيران حيث تغلق المؤسسات الحكومية والجامعات والمدارس أبوابها.
كما تتحضر العاصمة طهران لاستقبال الربيع عشية عيد النوروز حيث تقوم ورشات مختصة بتلوين مجسمات البيض وتوزيعها في الشوراع إلي جانب أعمال فنية أخري تفتح بها المدينة عامها الجديد بنشاط وحيوية.

النوروز في الشعر العربي :

طالما أثرت الحضارة العربية والحضارة الفارسية علي بعضهما البعض باعتبارهما حضارتين متجاورتين غارقتين في القدم، ظهر هذا التأثير في المنتجات الأدبية عند الشعراء العرب والفرس ولذلك نري الكثير من الشعراء العرب قد تغنوا بعيد النوروز ووصفوه في شعرهم . فها هو الشاعر أبو تمام الطائي يتخذ من النوروز مناسبة ويستعير من حلتها الخضراء مقدمة ليبدأ بها قصيدته. يقول أبو تمام :

قد شرد الصبح هذا الليل عن أفقه وسوغ الدهر ما قد كان شرقه

سيقت إلي الخلق في النيروز عافية بها شفاه جديد الدهر من خلقه

ابن الرومي هو الآخر يسلك مسلك أبي تمام في امتثال بهجة النوروز وصفاء أجوائه فيقول :

لم يبق للأرض من سر تكاتمه إلا وقد أظهرته بعد إخفاء

أبدت طوائف شتي من زواهرها حمراً وصفراً وكل نبت غبرا

فأسعد نيروزك المسعود طالعه يابن الأكارم في خفض ونعماء

يقول البحتري في قصيدة له :

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً من الحسن حتي كاد أن يتكلما

وقد نبه النوروز في نحلس الدجي أوائل ورد كن بالأمس نوما

يفتقها برد الندي فكأنه ينبت حديثاً كان قبل مكتما

وغيرها الكثير الكثير من الأشعار والتي لا يتسع المجال لذكرها في هذا المقال .

**جغرافيا النوروز

تشمل المناطق التي تحتفل بعيد النوروز عدة دول حيث تحتفل بهذا العيد جميع الثقافات الهندوأروبية كالثقافة الكردية والفارسية والأذرية والأفغانية والصابئة والمصريين القدامي، كما أن العديد من الدول تحتفل بعيد النوروز بشكل رسمي أو شبه رسمي وهي ايران وأفغانستان وطاجكستان وتركمانستان والعراق وتركيا وسوريا وجمهورية أذربيجان واوزبكستان وقرغيزستان وقزاقستان وباكستان.

**ختام عيد النوروز... يوم الطبيعة في ايران

ورغم ان العطلة الرسمية لعيد النوروز هي الايام الاربعة الاولي من بداية العام اضافة الي 13 منه الا ان عطلة العيد تستمر عادة اسبوعين لغاية 2 نيسان/ابريل، بالنسبة لغالبية الايرانيين ما عدا العاملين في بعض الاعمال والانشطة التي تتطلب الحضور الدائم وعدم الشغور في بعض الاجهزة او المؤسسات الخدمية والطبية والاعلامية حيث يتقاسم فيها المنتسبون فترة الاسبوعين بالتناوب.
ويعد عيد النوروز فرصة مناسبة جدا للايرانيين لزيارة الاماكن السياحية والتاريخية او المراقد المقدسة او الاقارب في المدن والقري والارياف، كما يستغل البعض الفرصة للسفر والسياحة الي الخارج.
ورغم ان البعض ينتقد طول فترة العيد الا ان الكثيرين يرونها مناسبة نظرا لكون ايران ذات مساحة واسعة مترامية الاطراف وان السفر فيها يستغرق وقتا جيئة وذهابا وما يتخلله من الاستجمام والاستراحة والتنزه، خاصة وان غالبية المواطنين يستخدمون سياراتهم الخصوصية للسفر في هذه المناسبة.
ويشكل يوم 2 نيسان/ابريل نهاية عيد النوروز ويسمي 'سيزده به در' اي الخروج الي احضان الطبيعة في تقليد سنوي يمتد آلاف الاعوام في الثقافة الايرانية يشارك فيها الصغير والكبير وفي شتي مناطق البلاد، حيث يخرج المواطنون منذ الصباح الي الحدائق العامة والمساحات الخضراء والغابات والاماكن الطبيعية ويمضون يومهم في احضان الطبيعة الخلابة التي تتمتع بها البلاد . وإن هذا 'السلوك الجمعي' يرمز إلي الرغبة في الانسجام مع صفاء الطبيعة في مطلع الربيع .
وهنالك تقليد جار وهو زرع كمية صغيرة من القمح في وعاء او او اناء خزفي ومن ثم سقيه وجعله ينمو لغاية يوم 2 نيسان/ابريل حيث يتم رميه في الطبيعة او اي مكان اخر طردا للنحس حسب تصور البعض، الا ان هنالك انتقادا من اخرين لهذا الامر كونه يؤدي الي استهلاك الاف الاطنان من القمح الذي يتم رميه تاليا ويذهب هدرا مما يعد خسارة مالية كبيرة بحد ذاتها.
ويحتل عيد النوروز مكانة مرموقة في ايران، ولايزال امره كذلك من اقدم العهود حتي اليوم. ومن عراقته هذه تبرز اهميته، كما أن في هذا الاخلاص الشديد لتقاليده اكبر دليل علي اصالته، حتي ليبدو من العجب أن نراه مازال يثبت وجوده في القرن الواحد والعشرين، اي في هذه الفترة المضطربة من التاريخ الروحي للانسانية.
وتحتفل العديد من بلدان قارة آسيا، والشرق الأوسط، ودول البلقان، والقوقاز بعيد النوروز، حيث يحتفل فيه حوالي 300 مليون شخص في مختلف مناطق العالم. ولما كان عيد النوروز يكتسي أهمية كبري، فقد أُدرج في قائمة اليونسكو التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية بوصفه يمثل قيمة عالمية للإنسانية. كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت في عام ٢٠١٠ قراراً أُعلن فيه يوم ٢١ آذار/مارس يوم النوروز الدولي للسلام يُحتفل به كل عام في ٢١ آذار/مارس.

رمز الخبر 189323

تعليقك

You are replying to: .
1 + 4 =