تاريخ النشر: ٢٦ ديسمبر ٢٠١٢ - ١١:٤٦

د. سعید الشهابی


 
خبرأونلاین-قمة مجلس التعاون الخلیجی الـ 33 المزمع عقدها الاسبوع المقبل فی المنامة تواجه تحدیات عدیدة من بینها تصاعد التوتر فی البلد المضیف واحتمالات التغییر فیه. فبالاضافة للوضع الراهن فی سوریا اصبح من المؤکد ان ما بعد سوریا لن یکون اقل ضغطا على دول المجلس عما هو الوضع علیه الآن. فهناک قلق شدید فی واشنطن من عودة تنظیم القاعدة الى النشاط مجددا فی السعودیة وملابساته وآثارة المستقبلیة على الوضع فی الجزیرة العربیة نفسها. ویدرک المراقبون ان فشل القوات السعودیة فی اخماد ثورة البحرین له مضامینه العدیدة، خصوصا فی ضوء الازمة السوریة وتبعاتها.
وتستعید الذاکرة الجهود الامریکیة فی افغانستان فی الثمانینات عندما دعمت تکوین 'القاعدة' لتکون ذراعا امریکیة اخرى مع المجاهدین فی مواجهة الاحتلال السوفیاتی. وما ان انتهت الحرب حتى توجه ذلک التنظیم لمواجهة الولایات المتحدة فی کافة مناطق العالم حتى وصلت الى نیویورک وواشنطن فی سبتمبر 2001. وتشیر المعلومات الى ان مجموعات من الشباب السعودی تتوجه الى سوریا للمشارکة فی العمل العسکری ضد نظام بشار الاسد، وان اعداد القتلى من افراد تلک المجموعات فی تصاعد، وهناک لوم من قبل عائلات الضحایا للسلطات تارة والخطباء اخرى بانهم وراء انتقال ابنائهم الى سوریا حیث فقدوا حیاتهم، کما هو الحال فی لبنان ودول عربیة اخرى. ایا کان الامر فالامر المقلق لدى السلطات الامریکیة ان انتهاء المواجهات العسکریة فی سوریا (ایا کانت نتائجها) ستضطر المجموعات الشبابیة المقاتلة للعودة الى بلدهم، ولا تستبعد تکرار السیناریین الافغانی. فقد عاد من کانوا یسمون 'الافغان العرب' بعد انتهاء الحرب الافغانیة وانسحاب القوات السوفیاتیة الى بلدانهم، وبدأت مسلسلات عنف على غرار ما جرى فی الجزائر فی التسعینات حیث قتل ما یقرب من مائتی الف انسان، وما جرى فی نیویورک وواشنطن ثم فی العراق وبلدان اخرى. هؤلاء المقاتلون الذین یدفعون الى سوریا سیعودون بعد انتهاء الازمة الى الجزیرة العربیة، ولا یستبعد ان یستهدفوا النظام بعد ان یکتسبوا خبرات عسکریة میدانیة، ویصبحوا اکثر ثقة بقدرتهم على مواجهة النظام.
قمة مجلس التعاون المقبلة تعید الى الاذهان قمة المنامة التی عقدت فی العام 1994 عندما نشبت الانتفاضة الشعبیة فی ذلک البلد، وتحولت الانظار من اجتماع الزعماء الى ما کان یدور فی الشارع البحرانی من حراک سیاسی واضطراب امنی غیر مسبوق. یومها کانت الانتفاضة محدودة بمطالب محددة اهمها اعادة العمل بدستور البلاد المجمد منذ العام 1975، واطلاق سراح السجناء السیاسیین. وتواصلت تلک الانتفاضة خمس سنوات بدون توقف، ولم تنته الا بعد رحیل الحاکم السابق، الشیخ عیسى بن سلمان آل خلیفة فی العام 1999، وصعود نجله، حمد، الحاکم الحالی. وجاء التوقف بعد الاعلان عما سمی وقتها 'المشروع الاصلاحی' الذی رعته الولایات المتحدة وتم تجنید عناصر (بعضها ینتمی للمعارضة) لترویجه کمخرج من الازمة السیاسیة العاصفة. وحاول بعض اطراف المعارضة الاندماج فی ذلک المشروع، لعله یوفر للشعب خیارا آخر، أکثر انسجاما مع تطلعات الشعب، ولکن سرعان ما اتضح خواء ذلک المشروع، فبدأت الاضطرابات مجددا بعد عام واحد من الاعلان عن 'میثاق العمل الوطنی' الذی کان یفترض ان یؤدی الى اعادة العمل بدستور البلاد المجمد منذ ربع قرن. کان واضحا ان الحراک الشعبی لن یتوقف طالما تجاهلت العائلة الحاکمة المطالب المشروعة وفی مقدمتها تقنین حیاة برلمانیة حقیقیة تؤدی الى شعور المواطنین بتلبیة مطالبهم. وتواصلت الاضطرابات بعد ذلک، فی شکل تظاهرات واعتصامات داخل البلاد وخارجها. وأعید فتح السجون منذ العام 2005. ولعل الاهم من ذلک ان کافة الممارسات القمعیة التی کان معمولا بها فی الحقبة السابقة قد اعید تفعیلها، وفی مقدمتها اساءة معاملة السجناء السیاسیین. وبرغم مشارکة بعض الجمعیات السیاسیة واهمها جمعیة الوفاق الوطنی الاسلامیة فی الانتخابات بدءا من العام 2006 فقد کانت محصلة تلک المشارکة تقترب من الصفر. فلم یکن ممکنا من خلال آلیات الحکم احداث تغییرات دستوریة او قانونیة توفر للمواطنین حق المشارکة الحقیقیة فی ادارة بلدهم. کما لم یکن ممکنا احداث تغییر فی ظروف الحکم وآلیاته بما یمکن ان یطور حقوق الانسان، بحیث یتم تجریم التعذیب ومحاکمة مرتکبیه، او محاسبة الوزراء او استجواب رئیس الوزراء حول سیاساته. وشیئا فشیئا ادرک دعاة التغییر من داخل النظام استحالة ذلک لان الانظمة الاستبدادیة تحمی نفسها بطبقات عدیدة من الترسانات: الدستوریة والقانونیة والامنیة والعسکریة. فلم یستطیع النواب المحسوبون على المعارضة تشریع قانون واحد یساهم فی منع انتهاکات حقوق الانسان، ولم یسمح لهم حتى مناقشة القانون 56 الذی فرضه الحاکم فی العام 2002 لمنع مقاضاة المتهمین بارتکاب جرائم التعذیب، وهو ما اصبح معروفا بـ 'قانون حمایة المعذبین'.
مع اندلاع ثورات الربیع العربی، توفرت لشعب البحرین فرصة الانطلاق على خط التغییر، فاعلن شبابه عزمهم على اطلاق ثورة مختلفة عما سبق من الحراکات الشعبیة. واختاروا الرابع عشر من فبرایر 2011 لذلک، لیتزامن مع الیوم الذی اعلن فیه الشیخ حمد بن عیسى آل خلیفة فی العام 2002 دستورا جدیدا کتبه الخبیر الدستوری المصری رمزی الشاعر، بدون مشارکة من ابناء البحرین. وقد رفضت الجمعیات السیاسیة آنذاک ذلک الدستور واعتبرته انقلابا على الوعود و التعهدات التی قدمها النظام قبل عام من ذلک التاریخ لاقناع المواطنین باقرار ما سمی 'میثاق العمل الوطنی'. ویمکن القول ان هذه الخطوات فی مجملها ساهمت فی تعمیق الغضب الشعبی بالشکل الذی تفجر فی یوم الثورة. فقد شعر المواطنون بانهم خدعوا لاقرار ذلک المیثاق الذی ادرکوا لاحقا انه کان اداة لتخویل الحاکم بکتابة دستور جدید یختلف فی جوهره وروحه عن الدستور الذی کتب بعد الانسحاب البریطانی من البلاد فی العام 1971. ویمکن القول ان هذه التطورات جمیعا وجهت الانظار الى قضایا ومفاهیم لا تنفک عما استندت الیه ثورة الشعب، ومنها: ما هو مصدر شرعیة ای نظام؟ وما مدى حق المواطنین فی تقریر مصیرهم؟ ومن المخول بکتابة الدستور فی ای بلد؟ وما دور الاستفتاء الشعبی على الدستور کمصدر للشرعیة؟ وهل یمکن فرض دستور على الشعب بدون استفتاء؟ هذه التساؤلات قد تبدو اکادیمیة ومتکررة، ولکنها تمثل صلب الاشکالات فی السجال حول الدولة الحدیثة ومنطلقات الشرعیة فیها. وفی اطار ثورات الربیع العربی، فان هذه التساؤلات تمثل الاجابة علیها اهدافا للجماهیر الثائرة التی تشعر بسیاسات التهمیش والالغاء التی تنتهجها انظمة الحکم العربیة تجاهها. وفی ظل السباق بین الحریة والاستبداد، ما یزال موقع الجماهیر سواء فی عملیة التغیر الدیمقراطی ام اقامة الدولة وبناء مؤسساتها ام توفیر الشرعیة، غیر محسوم. فاذا کانت الانظمة الاستبدادیة ترفض الاعتراف بدور الجمهور فی ذلک، فان الدول الغربیة التی دخلت على خط التغییر، تسعى هی الاخرى لتجاوز الجماهیر فی المشروع التغییری. ولذلک تصر هذه القوى على التصدی للثورات اذا لم یقبل روادها بالتبعیة للغرب او التحرک ضمن الاطر العامة للسیاسات والمصالح الغربیة. فالمعروف ان التغییر الذی کانت الشعوب العربیة تنشده منذ عقود یصطدم بالموقف الغربی الداعم للاستبداد والدیکتاتوریة فی المنطقة العربیة. والمعروف ایضا ان هذا الغرب دخل فجأة على خط التغییر بعد ان لاحت فی الافق المنظور ملامح مستقبل لا یلعب فیه هذا الغرب دورا مرموقا فیه. هذا التدخل ادى الى حرمان الثورات الشعبیة من شرف النصر المباشر الذی تحققه دماء الشهداء، وحصر التغییر بالارادة الغربیة والتدخلات الامنیة والعسکریة فی مشاریع التغییر المنشودة.
ثورة البحرین کانت واضحة الاهداف منذ انطلاقتها. کما کانت تدرک دور المعوقات الغربیة التی تعترض طریق التغییر. وثمة سباقات على الزمن بین الثورة واعدائها فی مجالات ثلاثة: اولها یتمثل بصراع الارادات، فمن تنکسر ارادته اولا یخسر المعرکة ویستسلم للآخر. وهذا ما یسعى الخبراء البریطانیون الذین بعثتهم السلطات البریطانیة لدعم النظام لتحقیقه، ومن بینهم السیر دانیال بیت لحم والسید جیفری جاول. ویأمل هؤلاء ان استخدام سیاسة 'تجفیف الینابیع' باعتقال النشطاء القادرین على تحریک الساحة، سیؤدی الى الموت التدریجی للثورة. ثانیها: ان عامل الزمن سیضغط على الجمعیات السیاسیة للتنازل عن مطلبها الاساسی المتمثل باقامة مملکة دستوریة، ای سحب السلطات من العائلة الحاکمة وتمکین الشعب من ادارة شؤونه بکتابة دستوره وانتخاب ممثلیه وحکومته. ثالثها: ان سیاسة الاستنزاف ستؤدی الى تململ شعبی یضغط على الثوار ویدفعهم للابتعاد التدریجی عن الساحات ووقف الاحتجاجات التی لم تتوقف یوما واحدا منذ انطلاقها قبل 22 شهرا. هذه الرهانات تمثل جانبا من سیاسة البریطانیین الذین اصبحوا هم الذین یدیرون الملف البحرانی بشکل مباشر. وقد ظهرهذا الاختلاف بین لندن وواشنطن مؤخرا الى السطح. فبینما یرفض المسؤولون البریطانیون الضغط على العائلة الحاکمة فی البحرین لانتهاج سیاسات جدیدة او تنفیذ التوصیات التی اصدرتها العام الماضی لجنة تقصی الحقائق التی برئاسة السید شریف بسیونی، وتوصیات مجلس حقوق الانسان التی صدرت فی شهر سبتمبر الماضی وغیرها، یطلق الامریکیون تصریحات اخرى. ففی الاسبوع الماضی دعا مایکل بوسنر، نائب وزیرة الخارجیة الامریکیة حکومة البحرین لاطلاق سراح الزعماء السیاسیین والنشطاء باعتبارهم سجناء رأی، ومحاکمة المسؤولین المتهمین بارتکاب جرائم التعذیب والقتل خارج القانون. وکان ولی العهد البحرینی قد احدث ارباکا دبلوماسیا عندما وجه شکره الخاص للحکومة البریطانیة وتجاهل الحکومة الامریکیة. وتجدر الاشارة الى ان الحاکم سعى خلال العامین الماضیین لزیارة واشنطن ولکن الامریکیین رفضوا ذلک حتى الآن ولم یقابلوا مسؤولین کبارا من الحکومة البحرینیة. وبعثت وزارة الخارجیة مسؤولا عادیا لحضور الاستقبال السنوی الذی اقامته سفارة البحرین فی واشنطن الاسبوع الماضی.
قد یبدو للکثیرین ان ثورة شعب البحرین قد هدأت او ربما انتهت، خصوصا لغیاب الاهتمام الاعلامی بما یجری فی هذا البلد الخلیجی الصغیر. ولکن الواقع یؤکد ان الثورة متواصلة، وانها اطول ثورة سلمیة من بین ثورات الربیع العربی، برغم الجهود السعودیة البریطانیة المتواصلة لمنع حدوث التغییر الدیمقراطی المنشود. ولا شک ان اصرار الثوار على الاستقلال عن ای طرف اجنبی ساهم فی هذه العزلة. وبرغم الغمز واللمز حول دعم ایرانی مزعوم للثوار، فان احدا حتى الآن لم یقدم دلیلا ملموسا على ذلک. بل ان العائلة الحاکمة بعثت سفیرها، من طرف واحد، الى طهران قبل بضعة شهور واعادت تسییر رحلات شرکة طیران الخلیج الى کل من ایران والعراق، بینما رفضت طهران اعادة سفیرها او تسییر طیرانها الى المنامة. وکما تمت الاشارة الیه، فان الغربیین تدخلوا فی البلدان الاخرى لتوجیه عملیة التغییر، للاحتفاظ بالوصایة على نتائج ذلک التغییر. یضاف الى ذلک ان الغربیین یعاملون دول مجلس التعاون الخلیجی بشکل مختلف ویسعون لعدم ازعاج السعودیة بشکل خاص بسبب قوتها الاقتصادیة وتوفرها على طاقة نفطیة عملاقة. ایا کان الامر، فان استمرار الحراک السیاسی فی البحرین قد تمدد لیصل الى مناطق عدیدة فی السعودیة. فهناک احتجاجات لیس فی المنطقة الشرقیة فحسب، بل فی القصیم والریاض والجوف وجدة، تشارک فیها عائلات السجناء السیاسیین الذین تقدر اعدادهم باکثر من عشرة آلاف، مضى على بعضهم اکثر من عشرة اعوام بدون محاکمة.
ما المخرج من الازمة السیاسیة التی تعصف بالبحرین؟ کان واضحا فی الایام الاخیرة عندما احتفلت العائلة الحاکمة بالعید الوطنی، بینما احتفى المواطنون بما یسمونه 'عید الشهداء' ان الصراع بین الطرفین محتدم ومتواصل. والحدیث عن حوار بینهما یتکرر ولکن حظوظه من النجاح محدودة جدا. فالعائلة الحاکمة تعتقد ان ای تنازل حقیقی سیؤدی الى تلاشی سلطتها خصوصا اذا بلغ ذلک التنازل مستوى السماح بالاحتجاجات واحترام الحریات العامة کحریة التعبیر. وبالتالی فهی تفضل الرهان على عامل الزمن لاحتواء الازمة، یشجعها فی ذلک بالدعم البریطانی غیر المشروط. منظرو الحراک السیاسی البحرانی یقولون ان ثورات الربیع اما ان تنجح جمیعا او تخفق جمیعا، وان التدخلات الخارجیة فی البحرین لا تختلف فی طبیعتها عن تدخلات القوى الاجنبیة فی شؤون الدول التی حققت شیئا من التغییر. فالمطلوب ابقاء المنطقة العربیة فی حالة تبعیة دائمة للغربیین، وتغییب دور الجماهیر من المعادلات السیاسیة بهدف الحفاظ على التوازن القلق بین الغرب والشعوب العربیة والاسلامیة. ان من غیر المنطقی استمرار هذا الصمت المحیط بثورة شعب البحرین، وهو صمت یبعث على السأم والضجر من بلوغ النظام السیاسی العالمی هذا المستوى من العقم واللامبدئیة وانعدام الانسانیة فی تعامله مع الشعوب الاخرى الباحثة عن حقوقها وضمان مستقبلها. اما النخب العربیة والنشطاء الاسلامیون والثوریون فمطالبون کذلک بموقف داعم لثورة شعبیة سلمیة متواصلة ضد نظام حکم یستمد قوته وشرعیته من الاسطول الامریکی الخامس واستضافة الخبراء الامنیین البریطانیین. فاذا لم یفعلوا ذلک فستظل ادوات الثورة المضادة فاعلة ومؤثرة، وهذا لا یصب فی مصلحة الثورات التغییریة والتحول الدیمقراطی.