هل حقا ان ايران مقبلة على مواجهة مفتوحة مع امريكا ؟

تحت عنوان "المواجهة الأميركية الإيرانية: تحشيد دبلوماسي يسبق مؤتمر وارسو" نشر موقع "العربي الجديد" تقريرا استعرض فيه المواقف المتشددة التي ادلى بها مسؤولو البلدين خلال الفترة الاخيرة.

لا ننكر ان التقرير كان صائبا في بعض جوانبه، ولكنه حاول تضخيم الامور الى حد كبير بالنسبة للبعض وتهميش دور الاخرين عن سهو ان لم نقل عن قصد في جوانب اخرى .

بدا التقرير بالتنويه الى انه وعلى اعتاب مؤتمر وارسو، الذي يبدا اعماله غداً الأربعاء بدعوة من اميركا لبحث الأوضاع في الشرق الأوسط، وتحديداً ملف إيران وسبل كبح نفوذها المتسع إقليمياً متوقعا بان أميركا ستستغل المؤتمر لبدء الترويج لخطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية المعروفة باسم "صفقة القرن".

نتفق مع تقرير الموقع بان امريكا ستستغل المؤتمر للتحشيد لتصفية القضية الفلسطينية والتاليب ضد ايران ولكننا نختلف معه بشان موضوع حاجة امريكا لمثل هذه المؤتمرات التي ولدت ميتة من الاصل لفرض املاءاتها على حلفائها، بل الاحرى ان نقول اذنابها، فهي الآمرة الناهية على تلك الدول التي تفتقد لادنى مقومات السيادة، والبعض منها كما نعرف هي اشبه بـ"البقرة الحلوب" سوف يتم ذبحها بعد ان يجف حليبها. اذا ربط مسالة المؤتمر بالتحشيد قد يبدو مبالغا فيه.

وحاول التقرير عبثا الربط بين الجولة الاوروبية التي بدأها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أمس الاثنين، من المجر بهدف إنجاح المؤتمر البولندي وزيادة الضغط على إيران، مع زيارة وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف الى لبنان . فالتقرير عاد مباشرة ليعترف بنفسه ضمنيا بان المؤتمر محكوم بالفشل لا سيما بعدما نأى وزراء خارجية الدول الأوروبية الرئيسية فضلاً عن مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، وروسيا، انفسهم عن المؤتمر الذي يحضره رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي وبعض وزراء الخارجية العرب الذين لا حول لهم ولا قوة سوى التبعية العمياء لواشنطن.

يقال ان من بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجر، هذا هو حال الكيان الصهيوني الذي يعربد ويزبد مستظهرا بامريكا لتهديد ايران، والتهديد يجلب التهديد ، فما موقف قادة حرس الثورة الاسلامية امس في العرس الايراني بدخول الثورة الاسلامية عقدها الاربعين ما هو الا رد على تلك التهديدات .

صدق التقرير جزئيا حين قال بان المشهد في الأيام المقبلة مقبل على مواجهة مفتوحة، على الأقل سياسياً، بين امريكا وإيران، في استكمال للتصعيد الذي كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد بدأه بانسحابه من الاتفاق النووي مع إيران في مايو/ أيار الماضي، ومن ثم إعادة فرض الحظر على دفعتين على طهران. لكن اخطا حين اعتبر الايام القادمة مقبلة على مواجهة مفتوحة بين ايران وامريكا ، لان المواجهة قائمة منذ انتصار الثورة الاسلامية قبل اربعين عاما وقطع يد الامريكان من ايران . اما فيما يخص التطبيع ودور بعض الدول العربية في المواجهة فقد كان مصيبا .

وحول الجولة الاوروبية لبومبيو فقد قال التقرير لب الكلام حين وصف رؤساء العواصم التي سيزورها الوزير الاميركي بانهم من المعجبين بالرئيس ترامب والقلائل الداعمين له في الاتحاد الاوروبي . اذا التضخيم من هذه الجولة قد يبدو في غير محله لانه لن ياتي بجديد لمؤتمر وارسو ، فما بالك بتعويض نقص الوجود الأميركي، الذي فتح الطريق أمام قدر أكبر من النفوذ الصيني والروسي في وسط أوروبا".

اما فيما يخص استغلال الايرانيين للمسيرات الحاشدة التي خرجت لمناسبة الذكرى الـ40 لانتصار الثورة الاسلامية لإطلاق سلسلة مواقف مضادة للأميركيين والإسرائيليين على حدّ سواء، فيجب القول ان نظرة عابرة على مسيرات السنوات السابقة وتصريحات المسؤولين الايرانيين تكشف بوضوح انها لم تختلف عن السابق سوى في بعض الجوانب، ومنها اظهار القدرات التي باتت تتمتع بها الجمهورية الاسلامية الايرانية لكي توجه رسالة تحذير لكل من تسول له نفسه القيام باي خطوة معادية ضد ايران مع التاكيد على ان ايران لن تكون البادئة في اي حرب ولكنها ستلقن المعتدي درسا لن ينساه .

التقرير وفي جانب اخر من حاول توظيف زيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف الى لبنان لترسيخ الفكرة التي يروج لها البعض بشأن النفوذ الايراني في لبنان والتلويح بانها تاتي تمهيدا لمواجهة ايرانية اسرائيلية عبر البوابة اللبنانية . لكن ما ينبغي قوله هو ان الزيارة شانها شان الزيارات السابقة التي قام بها الوزير ظريف خلال الفترة الاخيرة الى بعض الدول وتراس فيها وفودا اقتصادية وتجارية، هي احدى الخطوات التي تتبعها ايران لافشال المؤامرات الامريكية ومنها الحظر الاقتصادي ، هذا فضلا عن قيام واجب التهنئة بتشكيل الحكومة الجديدة . اما فيما يخص القول بان احدى نتائج زيارة ظريف الى لبنان كان اعلان الاخير بانه لن يشارك في مؤتمر وارسو ، فيمكننا القول ان هذا الموقف ليس بجديد وان لبنان كان قد اعلن سابقا عدم مشاركته في المؤتمر. واما عن موضوع الدعم العسكري الايراني للبنان فوزير الخارجية جبران باسيل قد تكفل بالاجابة عليه .

ولكن الطريف في تقرير العربي الجديد هو اشارته الى اعلان السعودية عن زيارة المستشار في الديوان الملكي السعودي نزار العلولا، الى لبنان اليوم ، منوها الى ان لديه معلومات بأن الزيارة أقرت على عجل، وبالتالي لا تحمل معها شيئاً باستثناء التهنئة بتأليف الحكومة، وإجراء جولة مباحثات، على الرغم مما حملته الساعات الأخيرة من مواقف لظريف تحرج المملكة. نرى هنا ان التقرير يحاول التقليل من شان الزيارة السعودية والايحاء بانها ستقتصر على التهنئة بتشكيل الحكومة فيما كان حاول يائسا التضخيم من مثيلتها الايرانية، فلماذا هذا التضخيم وهذا التحجيم يا ترى؟.

اما فيما يخص تصريحات الجبير وتوظيف المعركة الإيرانية الأميركية لصالح السعودية، واتهامه لأعضاء الكونغرس الأميركي، الذين يتخذون موقفاً متشدداً تجاه المملكة على خلفية تورط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في جريمة تصفية الإعلامي جمال خاشقجي، في قنصلية المملكة في إسطنبول، بـ"تقديم الذخيرة" إلى من يرفعون شعارات "الموت لأميركا"، في إشارة إلى إيران. فلا يمكننا القول الا ان التقرير اصاب في هذا الجانب وذلك لان السعودية التي باتت تواجه ضغطا دوليا بسبب الحماقات التي ارتكبها الامير الغر بدءا من العدوان على اليمن والمشاريع الاقتصادية الفاشلة ووصولا الى جريمة قتل خاشقجي، تحاول التشبث باي قشة لانقاذ نفسها وصرف انظار الراي العام عن جرائمها وفشلها، وما هو افضل من "الفزاعة الايرانية"، فهي بخطوتها هذه تحاول اصابة عصفورين بحجر واحد ، التنفيس عن نفسها، وتحجيم القوة الاقليمية النافذة التي تهدد عرشها بمبادئها واستقلاليتها وقدراتها العسكرية الدفاعية التي تضمن لها امنها واستقرارها فضلا عن قاعدتها الشعبية التي اصبحت جلية للجميع بمشاهدة المسيرات المليونية التي جابت جميع ارجاء البلاد امس، وان حاول التقرير التقليل من شانها بوصفه المشاركين فيها بمئات الالاف .

رمز الخبر 189127

تعليقك

You are replying to: .
3 + 0 =