٠ Persons
١٥ فبراير ٢٠١٩ - ١٤:١٢
في سرداب مقام سيد صالح

على مدى السنوات الخمس الماضية كرسنا الندوة الوطنية للقرآن والعترة والصحة -التابعة للمجمع الثقافي للعلوم الطبية في إيران- لاجتماع المقرئين وحفظة القرآن في الجمعية الطبية الإيرانية، فأغلب المشاركين هم من النخبة العلمية والطبية الشهيرة في البلاد والمنطقة، فنقيم ليلة الاستئناس بالقرآن الكريم في إحدى المراكز المتبركة والمقامات.

*الدكتور هادي الأنصاري


هذا العام، نجحنا في إقامة هذه الليلة الجميلة إلى جانب الضريح المقدس لمقام واجب التعظيم، حضرة السيد صالح بن موسى بن جعفر عليه السلام، الواقع في ساحة تجريش بالعاصمة الإيرانية طهران، فازدادت استفادتنا في هذه الأجواء المنيرة.
بعد انتهاء الحفل وتقديم تربة أبي عبد الله الحسين ع  المطهرة إلى مقام هذا العبد الصالح وقطع الوعد بالحضور في مراسم إزالة الغبار عن الضريح المطهر، كان الحظ قد حالفني فيما سبق في التشرف داخل الضريح المطهر لهذا المقام؛ وبإرشاد من الأعزاء وخدام المقام إتجهنا من المدرجات الواقعة في زاوية الصحن المطهر نحو الأسفل ودخلنا في الرواق الرضوي. ثم دخلنا في رواق السيدة زينب ع ودخلنا من الباب الخشبي الواقع في الجانب الأيسر في هذا الرواق.
 بعدما فتحنا الباب ،دخلنا في دهليز طوله أربعة أمتار وعرضه يبلغ مترا واحدا على غرار نفق طويل مصمم بالمرايا.
وقد أرشدني الحاج رضا باقري الذي قضي ما يزيد على خمسة عقود في هذا المكان المقدس كونه خادما يتولى منصب سدانة المقام.
كما يقول فانه ومنذ ما يزيد على قرن و نصف تم إغلاق الطريق المؤدي إلى هذا السرداب. وفيما سبق كان في الباب الأسفل للضريح الحالي درج له باب يتجه نحو الأسفل عبر النفق المصنوع من الطابوق. تم إغلاق هذا المكان فيما بعد لأسباب تتعلق بالإصلاح وإعادة بناء الحرم المطهر والضريح، ولم يكن هناك طريق للمزار الشريف.
إستمرً الأمر حتى قبل ثلاثة عقود إذ تم الكشف عن مكان باب المقام بإرشاد من عجوز معتمر. وان القائمين على المقام وبعد الدخول إلى جانب المزار الشريف عرفوا بان سقف المقام ،معرض للأنهيار.
قال الحاج رضا باقري بانه شمر عن سواعده بسرعة وقام بإغلاق بوابة الحرم لما يقارب 45 يوما في تلك الآونة ومن ثم بادر إلى إصلاح وفتح باب السرداب والقبر المطهر وقد حضر بنفسه في كل مراحل العمليات.
أعود إلى حديثي، ففي نهاية الممر اتجهنا نحو الأسفل من خمس درجات مصنوعات من المرمر ودخلنا في ساحة مكونة من 16 مترا مربعا وكانت صخرة قبر مصنوعة من المرمر الجميل تقع في وسطها يصل إرتفاعها إلى متر وأبعادها مكونة من مترين في متر واحد. ويحيط بصخرة القبر مرمر أخضر تقع عليه صخرة مرمر بيضاء كما تقع هذه القطعة الصخرية على المقام بواسطة ستًة أعمدة صخرية.  كانت قد حدثت شقوقا في قسم من هذه الصخرة البيضاء وكذلك في بعض الأعمدة..
في جوانب المقام وإلى جانب صخرة المرمر البيضاء تمت كتابة السور الأربعة التي تبدأ بفعل (قُل )وتمت كتابة (بسم الله الرحمن الرحيم )على صخرة المقام وفي الأعلى بخط جميل وفي وسط الصخرة تمت كتابة عبارة (صالح بن موسى الكاظم) وفي أسفل الصخرة كتب آية (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )بخط جميل.
تم تزيين الأرضية ومتر من الجانب الأسفل من الجدران بمرمر أخضر. وفي الجانب الأعلى من القبر المطهر وعلى البلاط الجميل والأزرق تمت كتابة سور وآيات من القرآن الكريم بخطين كبير وصغير.
إنبهرت بالأجواء وسادت عليً أجواء خاصة في وسط ذلك الفضاء المليء بالصمت والأجواء المعنوية السائدة في مقام هذا الشهيد صالح بن موسى بن جعفر عليه السلام الشهيد بن الشهيد.
في ليلة الجمعة وفي منتصفها هيمن علي فضاء خاص نتيجة وجودي أنا العاشق والخادم لهذه الشجرة الطيبة ولأجداده إضافة إلى تشرفي بزيارة هذا الرجل الكبير.
طفت كعاشق بهذا المقام وسلًمت عليه وعلى أبيه وأخيه وأخته وأجداده المكرمين. لم يروي السلام عليهم عطشي للزيارة فبدأت لا شعوريا وبصوت مرتفع وبالنيابة عن أبيه الشهيد والمظلوم الامام الكاظم عليه السلام هذا الأسير في سجون حكام العباسيين الظالمين، بدأت بقراءة زيارة أمين الله. وبعد انتهاء الزيارة صليت ركعتين وبينما كنت أطوف هذا المقام المطهر وسلمت على الشهيد نيابة عن والدي الشهيد آية الله الحاج الشيخ احمد الأنصاري وأجدادي العظماء والراحل ميرزا الناييني وكل الكبار من العلماء والأعزاء ومحبي أهل البيت عليهم السلام وأديت الواجب.
بعد قضاء ساعة من الوقت مرًت كالثواني أو أقلً سرعة منها، خرجت من هذا المكان المقدس بصعوبة.
كنت أمشي بصعوبة فنظرت إلى السيد باقري وقلت بمزاح، لكن في قلبي كنت أعبًر عن الحقيقة، فقلت هل يمكن قضاء هذه الليلة إلى جانب هذا المقام؟
كانت أمنيتي قضاء تلك الليلة حتى الصباح إلى جانب مقام هذا السيد الشهيد وواجب التعظيم وأداء الصلاة والدعاء، كانت أمنية يصعب تحقيقها بل يستحيل ذلك.
إستمر الخروج من هذا المقام دقائق وفي كل لحظة كنت ألتفت وأسلًم على المقام المطهًر.

وأخيرا وصلت إلى رواق السيدة زينب عليها السلام وبعد توديع الأعزاء وتقديم الشكر الجزيل لهم، تركت مقام هذا العبد الصالح.
قد مرت أربعة أيًام على زيارتي لهذا المقام لكنني لم أخرج من أجواء تلك الزيارة ومكانة المقام السامية في هذه الأيام، وكلما مسكت القلم لأكتب وقائع هذه الزيارة، لم أتمكن من ذلك، فإن الأجواء المعنوية والصمت الذي يبدو كأنً أجنحة الملائكة تتحرك في هذا المكان بهدوء وبصمْت، يمنعني من الكتابة حول هذه الأجواء.
أجلً، ألم نردًد في زيارات هؤلاء الشخصيات: الملائكة تحوم حول مزاركم ومقامكم وتزوركم.
إنً مقام صالح هو مقبرة تقع في منطقة تجريش في شمال طهران، ويعد من المزارات الشهيرة والقديمة في مدينة طهران ويقع في الجانب الجنوب الشرقي من ساحة تجريش في مساحة تبلغ ثلاثة آلاف مترا.
إنً صالح بن موسى الكاظم عليه السلام هو إبن سابع أئمة الشيعة الإمام موسى الكاظم عليه السلام وكما ورد في كتب: رياض النسب، وكنز الأنساب، وحياة الامام موسى بن جعفر عليه السلام، ومراقد المعارف، وناسخ التواريخ، وأنوار المشعشعين، ومنتخب التواريخ، وآثار تاريخي تهران، وجغرافياي تاريخي شميران، وكتب تاريخية أخرى، ووفقا لقول شهير، فإن صالح عليه السلام هو ابن الإمام السابع للشيعة الإمام موسى الكاظم وشقيق الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، وهو من السادة أصحاب المكانة السامية وله نسب لا يمكن الشكً فيه إذ بعدما سمع بأن الإمام الرضا عليه السلام أصبح وليا للعهد وفي نهاية القرن الثاني، هاجر من العراق إلى إيران وتوجه من "كره رود" نحو ولاية شميران وعندما وصل تجريش وفي حديقة گلشن ،استشهد تحت شجرة الدلب الكبيرة بالقرب من عين ساري وتم دفن جثمانه المطهر في قرية تجريش وإلى جانب تلك الشجرة.
قيل عن السيد صالح بان عملاء العباسية كانوا يلاحقونه من جسر كرخ أو كرج الحالي، وفي نهاية المطاف استشهد في حديقة جنًة گلشن تحت شجرة الدلب الكبيرة بالقرب من عين الماء.
إن الأهالي واحتراما لنسبه الذي يصل إلى الأئمة المعصومين، بنوا مقاما له وكان في كل الأزمنة مصدرا للخير والبركة لأهالي المنطقة ويعد من المقامات التي يتردد عليها الكثير من الزوار إلى جانب العديد من المقامات الأخرى.
اللهم أرزقنا زيارته وزيارة أجداده في الدنيا ولا تحرمنا عن شفاعتهم في الآخرة. آمين.


 

رمز الخبر 189146

تعليقك

You are replying to: .
5 + 0 =