لِماذا نتَوقَّع نتائِج عكسیّة للغارات الصاروخیّة الإسرائیلیّة علي سوریة؟

لم تُفاجِئنا الغارات الصاروخیّة الإسرائیلیّة العُدوانیّة التی استَهدفت بلدة الكسوة ومُحیط مَطار دِمَشق الدولیّ، فنَحن نُدرِك جیّدًا أنّ تل أبیب هِی المُتَضَرِّر الأكبَر مِن تَعافِی سوریة وصُمود جیشها، واستِعادته مُعظَم الأراضِی السوریّة إلي سِیادَة الدَّولة، ولكِن ما فاجَأنا أمْران:

الأوّل، فرحَة بعض العرب وشماتتهم المُعلَنة تُجاه هذا العُدوان علي عاصِمَة بلد یرفَع لِواء العُروبة، والثّانی، هو تَزامُن هذا العُدوان مع جولة مایك بومبیو، وزیر الخارجیّة الأمریكیّ فی عدّة دُوَل عربیّة، أبرزها دول الخلیج ( الفارسی) السِّت إلي جانِب الأُردن ومِصر والعِراق، أُضیفَت إلي هذه الجولة فی مُحاولةٍ لإصلاح الضَّرر الذی أحدثَته “زیارة الخِلسَة” للرئیس دونالد ترامب لقاعدة “عین الأسد” فی غرب الأنبار، دون التَّشاور مَع القِیادَة العِراقیّة، ووحَّدت مُعظَم ألوان الطَّیف العِراقیّ ضِد أمریكا “المُحَرِّرَة”.

مِثل الغارة السابقة المُماثِلة فی أواخِر شهر كانون ألاوّل (دیسمبر) الماضی، لم تَجرؤ الطائرات الإسرائیلیّة المُغیرة علي اختِراق الأجواء السوریّة، وأطلَقَت صواریخها مِن الأجواء اللبنانیّة، لأنّها تُدرِك جیّدًا أنّها ستُواجِه رَدًّا قَویًّا أبرز عناوینه إسقاطها، مِثلَما تم إسقاط إحدَي نظیراتها مِن طِراز “إف 16” قبل ما یَقْرُب مِن العام.

البَیان العسكریّ السوریّ الذی كشَف عَن هذا العُدوان مُنذ بِدایته بكُل شفافیّة، أكَّد أنّه تم التَّصَدِّی، وإسقاط ستّة مِن ثمانیة صواریخ أطلَقتها الطائرتان المُغیرَتان مِن الأجواء اللبنانیّة، ولم تُصِب أیّ مِن أهدافها، ونحن نُرَجِّح هذه الروایة ونَأخُذهَا بعَین الاعتِبار، لأنّ القُدرات العسكریّة السوریّة ازدادَت قُوَّةً رُغم كُل الغارات الإسرائیلیّة السابقة التی زادَت عَن 220 غارة فی السنوات الأخیرة، مُضافًا إلي ذلك أنّها، أیّ الغارة الإسرائیلیّة، لم تُفلِح مُطلَقًا فی التَّأثیر علي صَلابَة الوجود الإیرانیّ، أو ترسانة “حزب الله” مِن الصَّواریخ التی تَضَخَّمَت ووصلت إلي أكثَر مِن 150 ألف صاروخ ازدادَت دقّة، وقُدرة تدمیریّة، هذا إذا لم یَكُن العَدد تزایَد فی ظِل أنباء عَن تسریع وتیرة التَّصنیع الداخلی لهذه الصَّواریخ فی الفَتْرةِ الأخیرة.
جولة الوزیر بومبیو العربیّة الحالیّة تُمَثِّل “إعلان حرب” علي إیران وحِمایةً لإسرائیل، وتَشكیل حِلف “النِّاتو العربیّ السنیّ” الذی سیُوَفِّر الغِطاء لأیّ عُدوانٍ مُحتَملٍ، لیسَ علي إیران فقط وإنّما علي سوریة ولبنان، ولم یتردَّد وزیر الخارجیّة الأمریكیّ فی القَول فی خِطابَه الذی ألقاه فی الجامعة الأمریكیّة فی القاهرة قبل یومین بأنّ بلاده لن تَسمَح بتَحویل سوریة إلي لبنان أُخرَي، و”ستَعمل علي احتفاظ إسرائیل بقُدرات عسكریّة تُمَكِّنها مِن الدِّفاع عن نَفسِها فی مُواجَهة تهدید تَرسانَة حزب الله مِن الصَّواریخ”.
أربَع سنوات مِن الحَرب ضِد حركة “أنصار الله” الحوثیّة فی الیمن لم تَنجَح فی القَضاء علیها، أو حتّي تقلیص قُدراتها القتالیّة، رُغم ضخامَة القُوّة العَسكریّة ومِئات مِلیارات الدُّولارات التی أُنفِقَت فی هذه الحَرب، وفاجأتنا هذه الحَركة، والكثیرین غیرنا، قَبل بِضْعَة أیّام فی قَصف منصّة احتِفال رئیسیّة بعَرضٍ عَسكریٍّ فی قاعدة “العند” فی لحج التی تُعتَبر الأكثَر تَحصینًا فی المِنطَقة بأسْرِها، وعَبر طائرة مُسیَّرة (درون)، طالما سَخِر مِنها وقُدراتها بعض المُحلِّیین العَسكریّین والسِّیاسیّین، وبالتَّالی لا نَعتقِد أنّ هذه الغارات الصاروخیّة الإسرائیلیّة ستُؤثِّر علي سوریة وقُدراتها العَسكریّة، أو الوجود الإیرانیّ فیها، بَل ستُعطِی نتائج عكسیّةً تَمامًا، حیثُ ستُؤدِّی إلي التِفاف مِئات المَلایین مِن العَرب حولها، باعتِبارها مصدر التَّهدید الأهَم والأكبَر والوَحید فی المِنطَقة للمَشروع الاستِیطانیّ العُدوانیّ الإسرائیلیّ.
الانسِحاب الأمریكیّ مِن سوریة الذی بَدَأ فِعْلیًّا الجمعة، یُؤكِّد هزیمَة المَشروع الأمریكیّ فی المِنطَقة برُمّتها، فهو یتوازَي مع انسِحابٍ وَشیكٍ مِن أفغانستان، وبَعدها العِراق، ولا نَكْشِف سِرًّا عِندما نقول أنّ القِیادة العراقیّة التی التَقاها الوزیر بومبیو أثناء زیارته الخاطِفَة، وغیر المُعلَنة لبغداد قبل یَومین أبلغته صَراحةً رفضها استِخدام أیّ قواعِد عسكریّة فی بَلدها لقَصفِ إیران أو سوریة، وطالَبته بسَحبِ القُوّات الأمریكیّة فی أسرعِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ، (تِعدادُها 5500 جُندی).
بنیامین نِتنیاهو، رئیس الوزراء ووزیر الدِّفاع الإسرائیلیّ، یُرید أن یظهَر بمظْهَر القَویّ، تَعزیزًا لفُرَص فَوزِه فی الانتِخابات التشریعیّة القادِمَة، ولتَحویل الأنظار عن اتّهامات الفَساد المُوجَّهة له ولزوجته، ولكنّه لن یُفْلِح فی أیّ مِن البَنْدَین، فإسرائیل التی یتَزعَّمها باتَت مُرتَبِكَةً قَلِقَةً، والمُستَوطنون فیها باتُوا یَفتَقِدون إلي الأمن والاطْمِئنان وهُم یَرون أنفسهم مُحاطِین بغَاباتٍ مِن الصَّواریخ مِن كُل الجِهات.
القِیادَة السوریّة تَكْظِم الغَیْظ، وتَمْتَص هذه الضَّرَبات العُدوانیّة الإسرائیلیّة لأنّها لا تُرید الخُروج عَن أولویّاتها وأجِنداتها الاستراتیجیّة فی التَّركیز علي جبْهَتِها الداخلیّة، واستِعادَة جمیع الأراضی السوریّة المُتَبَقِّیة خارِج سِیادَة الدَّولة، وهِی تُدرِك حتْمًا أنّ الحَرب مع دولة الاحتِلال الإسرائیلیّ حَرب طویلة الأمَد وسیَتِم خوضها فی إطارِ استراتیجیّات مُحْكَمَة، ولیسَ مِن خِلال رُدود الفِعل غَیر المَدروسة، مِثْلَما أكَّدَ لنا أحَد المُقَرَّبِین مِنها.
لا نَعتقِد أنّ جولة بومبیو التی أكَّد فیها أنّ بلاده قرَّرَت الانتِقال مِن مرحلة احتِواء إیران إلي مُهاجَمتها ستُكَلَّل بالنَّجاح، ونَسْتبعِد أن تُحَقِّق أیّ مِن أغراضِها باستِثْناء حَلْب ما تَبَقَّي مِن مِلیاراتٍ فی خزائِن بعض الدول الخلیجیّة، والشَّیء نفسه نَقوله عَن مؤتمر بولندا المُقْتَرح لبَحث شُؤون الشرق الأوسط، ومُواجَهة إیران الشَّهر المُقبِل، وهو المُؤتَمر الذی یُذكّرنا بمُؤتَمرات “أصدقاء سوریة” التی شارَك فیها أكثَر 65 دولة بزَعامَة أمریكا فی عِدَّة عَواصِم غَربیّة وعَربیّة.
فإذا كانَت منظومة “أصدقاء سوریة” فَشِلَت فی تغییر النظام فی سوریة، فهل ستَنْجَح “منْظُومَة بولندا” الجَدیدة فی تغییر النِّظام فی إیران؟
لدَینا شُكوكٌ كَثیرةٌ جِدًّا نَحنُ الذین لم نَتَوقَّع مُطْلَقًا ومُنْذُ الیَوم الأوّل نَجاح منظومة “أصدقاء سوریة”.. والأیّام بَیْنَنَا.

رای الیوم : عبد الباری عطوان

رمز الخبر 188983

تعليقك

You are replying to: .
2 + 11 =